فصل: تفسير الآية رقم (14):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (5):

{لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (5)}
أي أنزل السكينة ليزدادوا إيمانا. ثم تلك الزيادة بسبب إدخالهم الجنة.
وقيل: اللام في {ليدخل} يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ}. {وَكانَ ذلِكَ} أي ذلك الوعد من دخول مكة وغفران الذنوب. {عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} أي نجاة من كل غم، وظفرا بكل مطلوب.
وقيل: لما قرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أصحابه {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ} قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ فنزل {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ} ولما قرأ {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} قالوا: هنيئا لك، فنزلت {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] فلما قرأ {وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً} نزل في حق الامة {وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً} [الفتح: 2]. ولما قال: {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} [الفتح: 3] نزل {كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]. وهو كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56]. ثم قال: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: 43] ذكره القشيري.

.تفسير الآيات (6- 7):

{وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (7)}
قوله تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ} أي بإيصال الهموم إليهم بسبب علو كلمة المسلمين، وبأن يسلط النبي عليه السلام قتلا وأسرا واسترقاقا. {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} يعني ظنهم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرجع إلى المدينة، ولا أحد من أصحابه حين خرج إلى الحديبية، وأن المشركين يستأصلونهم. كما قال: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} [الفتح: 12].
وقال الخليل وسيبويه: {السَّوْءِ} هنا الفساد. {عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ} في الدنيا بالقتل والسبي والأسر، وفي الآخرة جهنم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {دائِرَةُ السَّوْءِ} بالضم. وفتح الباقون. قال الجوهري: ساءه يسوءه سوءا بالفتح ومساءة ومساية، نقيض سره، والاسم السوء بالضم. وقرئ: {عليهم دائرة السوء} يعني الهزيمة والشر. ومن فتح فهو من المساءة. {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} تقدم في غير موضع جميعه، والحمد لله.
وقيل: لما جرى صلح الحديبية قال ابن أبي: أيظن محمد أنه إذا صالح أهل مكة أو فتحها لا يبقى له عدو، فأين فارس والروم! فبين الله عز وجل أن جنود السموات والأرض أكثر من فارس والروم.
وقيل: يدخل فيه جميع المخلوقات.
وقال ابن عباس: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ} الملائكة. وجنود الأرض المؤمنون. وأعاد لان الذي سبق عقيب ذكر المشركين من قريش، وهذا عقيب ذكر المنافقين وسائر المشركين. والمراد في الموضعين التخويف والتهديد. فلو أراد إهلاك المنافقين والمشركين لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.

.تفسير الآيات (8- 9):

{إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9)}
قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً} قال قتادة: على أمتك بالبلاغ.
وقيل: شاهدا عليهم بأعمالهم من طاعة أو معصية.
وقيل: مبينا لهم ما أرسلناك به إليهم.
وقيل: شاهدا عليهم يوم القيامة. فهو شاهد أفعالهم اليوم، والشهيد عليهم يوم القيامة. وقد مضى في {النساء} عن سعيد بن جبير هذا المعنى مبينا. {وَمُبَشِّراً} لمن أطاعه بالجنة. {وَنَذِيراً} من النار لمن عصى، قاله قتادة وغيره. وقد مضى في البقرة اشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما. وانتصب {شاهدا ومبشرا ونذيرا} على الحال المقدرة. حكى سيبويه: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، فالمعنى: إنا أرسلناك مقدرين بشهادتك يوم القيامة. وعلى هذا تقول: رأيت عمرا قائما غدا. {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} قرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو {ليؤمنوا} بالياء، وكذلك {يعزروه ويوقروه ويسبحوه} كله بالياء على الخبر. واختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده، فأما قبله فقوله: {لِيُدْخِلَ} وأما بعده فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ} [الفتح: 10] الباقون بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم. {وَتُعَزِّرُوهُ} أي تعظموه وتفخموه، قاله الحسن والكلبي. والتعزير: التعظيم والتوقير.
وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه. ومنه التعزير في الحد. لأنه مانع. قال القطامي:
ألا بكرت مي بغير سفاهة ** تعاتب والمودود ينفعه العزر

وقال ابن عباس وعكرمة: تقاتلون معه بالسيف.
وقال بعض أهل اللغة: تطيعوه. {وَتُوَقِّرُوهُ} أي تسودوه، قاله السدي. وقيل تعظموه. والتوقير: التعظيم والترزين أيضا. والهاء فيهما للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهنا وقف تام، ثم تبتدئ {وَتُسَبِّحُوهُ} أي تسبحوا الله {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} أي عشيا.
وقيل: الضمائر كلها لله تعالى، فعلى هذا يكون تأويل {تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك. واختار هذا القول القشيري. والأول قول الضحاك، وعليه يكون بعض الكلام راجعا إلى الله سبحانه وتعالى وهو {وَتُسَبِّحُوهُ} من غير خلاف. وبعضه راجعا إلى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية. وفي {تُسَبِّحُوهُ} وجهان: أحدهما- تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح. والثاني- هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} أي غدوة وعشيا. وقد مضى القول فيه.
وقال الشاعر:
لعمري لانت البيت أكرم أهله ** وأجلس في أفيائه بالاصائل

.تفسير الآية رقم (10):

{إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)}
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ} بالحديبية يا محمد. {إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ} بين أن بيعتهم لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما هي بيعة الله، كما قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]. وهذه المبايعة هي بيعة الرضوان، على ما يأتي بيانها في هذه السورة إن شاء الله تعالى. {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} قيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المنة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة.
وقال الكلبي: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة.
وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم. {فَمَنْ نَكَثَ} بعد البيعة. {فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ} أي يرجع ضرر النكث عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب. {وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} قيل في البيعة. وقيل في إيمانه. {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} يعني في الجنة. وقرأ حفص والزهري {عليه} بضم الهاء. وجرها الباقون. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر {فسنؤتيه} بالنون. واختاره الفراء وأبو معاذ. وقرأ الباقون بالياء. وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقرب اسم الله منه.

.تفسير الآية رقم (11):

{سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11)}
قوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ} قال مجاهد وابن عباس: يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والديل، وهم الاعراب الذين كانوا حول المدينة، تخلفوا عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حذرا من قريش، وأحرم بعمرة وساق معه الهدي، ليعلم الناس أنه لا يريد حربا فتثاقلوا عنه واعتلوا بالشغل، فنزلت. وإنما قال: {الْمُخَلَّفُونَ} لان الله خلفهم عن صحبة نبيه. والمخلف المتروك. وقد مضى في {براءة}. {شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا} أي ليس لنا من يقوم بهما. {فَاسْتَغْفِرْ لَنا} جاءوا يطلبون الاستغفار واعتقادهم بخلاف ظاهرهم، ففضحهم الله تعالى بقوله: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وهذا هو النفاق المحض. {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا} قرأ حمزة والكسائي {ضرا} بضم الضاد هنا فقط، أي أمرا يضركم.
وقال ابن عباس: الهزيمة.
الباقون بالفتح، وهو مصدر ضررته ضرا. وبالضم اسم لما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال. والمصدر يؤدي عن المرة وأكثر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لأنه قابله بالنفع وهو ضد الضر.
وقيل: هما لغتان بمعنى، كالفقر والفقر والضعف والضعف. {أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً} أي نصرا وغنيمة. وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول يدفع عنهم الضر ويعجل لهم النفع.

.تفسير الآية رقم (12):

{بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12)}
قوله تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} وذلك أنهم قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس لا يرجعون. {وَزُيِّنَ ذلِكَ} أي النفاق. {فِي قُلُوبِكُمْ} وهذا التزيين من الشيطان، أو يخلق الله ذلك في قلوبهم. {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} أن الله لا ينصر رسوله. {وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً} أي هلكى، قاله مجاهد.
وقال قتادة: فاسدين لا يصلحون لشيء من الخير. قال الجوهري: البور: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. قال عبد الله بن الزبعري السهمي:
يا رسول المليك إن لساني ** راتق ما فتقت إذ أنا بور

وامرأة بور أيضا، حكاه أبو عبيد. وقوم بور هلكى. قال تعالى: {وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً} وهو جمع بائر، مثل حائل وحول. وقد بار فلان أي هلك. وأباره الله أي أهلكه.
وقيل: {بُوراً} أشرارا، قاله ابن بحر.
وقال حسان بن ثابت:
لا ينفع الطول من نوك الرجال وقد ** يهدي الاله سبيل المعشر البور

أي الهالك.

.تفسير الآية رقم (13):

{وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (13)}
وعيد لهم، وبيان أنهم كفروا بالنفاق.

.تفسير الآية رقم (14):

{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (14)}
أي هو غني عن عباده، وإنما ابتلاهم بالتكليف ليثيب من آمن ويعاقب من كفر وعصى.

.تفسير الآية رقم (15):

{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (15)}
قوله تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها} يعني مغانم خيبر، لان الله عز وجل وعد أهل الحديبية فتح خيبر، وأنها لهم خاصة من غاب منهم ومن حضر. ولم يغب منهم عنها غير جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كسهم من حضر. قال ابن إسحاق: وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بن صخر الأنصاري من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار، كانا حاسبين قاسمين. {ذرونا نتبعكم} أي دعونا. تقول: ذره، أي دعه. وهو يذره، أي يدعه. وأصله وذره يذره مثال وسعه يسعه. وقد أميت صدره، لا يقال: وذره ولا وأذر، ولكن تركه وهو تارك. قال مجاهد: تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واخذ قوما ووجه بهم قالوا ذرونا نتبعكم فنقاتل معكم. {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} أي يغيروا. قال ابن زيد: هو قوله تعالى: {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} [التوبة: 83] الآية. وأنكر هذا القول الطبري وغيره، بسبب أن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة.
وقيل: المعنى يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد لأهل الحديبية، وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر عوضا عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح، قاله مجاهد وقتادة، واختاره الطبري وعليه عامة أهل التأويل. وقرأ حمزة والكسائي {كلم} بإسقاط الالف وكسر اللام جمع كلمة، نحو سلمة وسلم. الباقون {كلام} على المصدر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اعتبارا بقوله: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي} [الأعراف: 144]. والكلام: ما استقل بنفسه من الجمل. قال الجوهري: الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير. والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة، مثل نبقة ونبق. ولهذا قال سيبويه: هذا باب علم ما الكلم من العربية ولم يقل ما الكلام، لأنه أراد نفس ثلاثة أشياء: الاسم والفعل والحرف، فجاء بما لا يكون إلا جمعا، وترك ما يمكن أن يقع على الواحد والجماعة. وتميم تقول: هي كلمة، بكسر الكاف، وقد مضى في {براءة} القول فيها. {كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ} أي من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة. {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا} أن نصيب معكم من الغنائم. وقيل قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن خرجتم لم أمنعكم إلا أنه لا سهم لكم». فقالوا: هذا حسد. فقال المسلمون: قد أخبرنا الله في الحديبية بما سيقولونه وهو قوله تعالى: {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا} فقال الله تعالى: {بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا.
وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلا، وهو ترك القتال.